الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
217
الأخلاق في القرآن
والسّائر في خطّ التّوبة والمراقبة ، يعيش الحالة هذه أيضاً ، فإنّ الشّياطين من الجِنّ والإنس مُترصّدون لِغوايته ، هذا بالإضافة إلى النّفس الأمّارة ، وهوى النّفس ، فإذا لم يُراقب نفسه وأعماله ، فلا يأمن معها ، مِنْ أن تسرق جوهرة الإيمان والتّقوى ، وينتقل من هذه الدنيا ، خالي الوفاض وصفَر اليدين ، وفي الآيات والرّوايات إشاراتٌ كثيرةٌ ، وتلميحاتٌ متنوعةٌ حول هذه المرحلة ، ومنها : 1 - الآية ( 14 ) من سورة العَلَق : « أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى » . فهي إشارةٌ إلى مراقبة اللَّه تعالى لَه ، وعليه مُراقبة أعماله أيضاً . وَوَجَّه في آيَةٍ أخرى الخطاب لِلمؤمنين : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ » « 1 » . فَجُملة : « وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ . . . » ، تبيّن لنا في الحقيقة مفهوم المراقبة للنفس ، على مستوى السّلوك والعمل . وَوَرَد نفس المعنى ، ولكن بشكلٍ مُقتضبٍ ، في سورة عَبَس ، الآية ( 24 ) : « فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ » ، ( من الحلال والحرام ) « 2 » . 2 - ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، في تفسير الإحسان في الآية : « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ » ، فقال : « الإحسانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَراهُ فَإِنْ لَم تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَراكَ » « 3 » . ومن الطّبيعي فإنّ المُعايشة مع هذه الحقيقة ، وهي أنّ البّاري تعالى معنا أينما كُنّا ، والرّقيب علينا ، من شأنه أن يخلق فينا روح الرّقابة ، ونكون معها دائبين على الانسجام ، مع خطّ الرّسالة من موقع الالتزام . 3 - ورد حديثٌ عن أمير المؤمنين عليه السلام ، أنّه قال : « يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُهَيمِناً عَلى
--> ( 1 ) . سورة الحشر ، الآية 18 . ( 2 ) . هذا على ما جاء في بعض التّفاسير ، وقد جاء في تفاسير أخرى ، أنّ المقصود هو النّظر والاعتبار بخلقة اللَّه تعالى ، لإنكشاف الآيات والملاحظات التّوحيدية عند الإنسان ، ولا تنافي بين التّفسيرين . ( 3 ) . كنز العمّال ، ج 3 ، ص 22 ، ح 5254 ؛ بحار الأنوار ، ج 25 ، ص 204 .